عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

35

معارج التفكر ودقائق التدبر

* فَلا مُمْسِكَ لَها : إمساك الشيء عن الشيء : منعه إيّاه عنه ، يقال لغة : أمسك اللّه الغيث ، أي : منع نزوله ، وأمسك الرّجل عن النّفقة على عياله ، أي : منعها فلم ينفق عليهم . إنّه لمّا كان فتح أبواب مجاري عطاءات الرّبّ يجّعلها تتدفّق مرسلة حتّى ينال منها من هي موجّهة له ، كان منع وصولها إلى من قضى اللّه بأن يمنحه عطاءه إمساكا لها عن متابعة جريانها حتّى تصل إليه ، فكان من فنّيّة الأداء البياني أن يأتي التعبير القرآنيّ بنفي وجود الممسك لها . وجاء الضمير في فَلا مُمْسِكَ لَها عائدا على الرّحمة لأنّها سبب عطاءات اللّه لعباده ، الّتي يفتحها لهم ، وهذا من إطلاق السّبب وإرادة المسبّب . والفتح الرّبّانيّ لمجاري عطاءاته قد يكون على سبيل التخصيص لبعض الأفراد ، وقد يكون لجماعة من الناس ، وقد يكون لجميع الناس ، وكلّ ذلك خاضع لمشيئة اللّه الحكيمة . وفي مقابل هذا الفتح لأبواب عطاءات الرّبّ - جلّ جلاله - يأتي الإمساك ، وهو منع النّعم عن أن تجري في مجاريها ، لئلّا تصل إلى من قضى اللّه بأن يحرمه ، ويمنع عنه العطاء . فما يمسكه اللّه عزّ وجلّ بحكمته من نعم عن بعض عباده ، فيمنعها عنهم ، فلا يستطيع أحد في الوجود أن يرسل النّعم الّتي أمسكها اللّه ، ولا يستطيع أحد في الوجود أن يجعلها تجري في المجاري الموصلة إلى من قضى اللّه أن يمنع وصولها إليه . وهو جلّ جلاله في فتحه وإمساكه عزيز قويّ غالب ، وحكيم في تصاريفه . وهذا المقابل دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ في الآية :